نبيل رجب: إطلاق سراح المعتقلين العرب في جوانتينامو: نموذج ناجح لتضافر الجهود الوطنية والاقليمية والدولية

تعد مملكة البحرين الدولة العربية الأولى التي يفرج عن معتقليها جميعا من معتقل Guantanamo. ولقد تم الإفراج عنهم ضمن اتفاق دبلوماسيا امنيا ابرم بين السلطات البحرينية والسلطات الأمريكية، لكن ما كان ذلك ليحصل لولا الحراك والنشاط والضغط الذي اشترك فيه الجميع، من مؤسسات المجتمع المدني وحقوق الإنسان، ومؤسسات المحاماة ، والتحركات الشعبية والبرلمانية المتواصلة، ومن ثم الحكومة التي ظلت محرجة في تقاعسها طوال تلك الفترة.
وقد جرى إطلاق سراح المعتقلين البحرينيين على دفعات، حيث تم إرجاع ثلاث منهم في نوفمبر 2005، والثلاثة الآخرين تم إرجاعهم كلا على حدة، في أكتوبر 2006 و يوليو 2007 وأغسطس 2007.
وحقيقة وجود المعتقلين اليوم بين ذويهم وأحبائهم، يتمتعون بكامل الحرية بعيدا عن سجن Guantanamo، يثبت أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد تعتبرهم إرهابيين، وخطر على أمنها كما كانت تدعي للعالم، مما يعني أن احتجازهم طوال تلك الفترة، كان احتجازا تعسفيا ظالما. وواقعا أنه لو سنحت لهم ألفرصه للتقاضي في محكمة، تمتلك المعايير الدولية للمحاكمات العادلة، لكانت برئتهم مند زمن بعيد.
قد تم اعتقال غالبية المعتقلين البحرينيين في باكستان وليس في أفغانستان كما ادعت الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ينطبق أيضا على الكثير من المعتقلين العرب، وذلك على ما يبدو من خلال شرائهم من بعض القبائل الباكستانية، نتيجة العروض السخية التي قدمها الأمريكيين لشراء أي أجنبي يتم اصطاده في تلك الفترة.
بعد ذلك تم إرسال المعتقلين البحرينيين إلى معتقل Guantanamo في نهاية سنة 2001 ، وظلوا مقطوعين عن العالم الخارجي طوال أكثر من ثلاث سنوات، حتى تمت زيارتهم وتبني قضيتهم من قبل مؤسسة محاماة معروفة، في شهر يوليو سنة 2004، على اعتبار أنه لم يكن مسموح للمعتقلين بالتقاضي في المحاكم الفدرالية الأمريكية قبل ذلك الوقت، وحتى صدور قرار المحكمة العليا في يونيو 2004.
دورنا
كان دورنا في هو تقديم العون و المساعدة لأسر المعتقلين العرب في معتقل Guantanamo من خلال ربطهم بمؤسسات المحاماة المتطوعة بالولايات المتحدة الأمريكية، وتقديم المساعدة أيضا للمحامين الأمريكيين المتطوعين للترافع عن المعتقلين العرب، وذلك من خلال مساعدتهم في الوصول إلى أسر المعتقلين أو من ينوب عنهم.
وعلى اعتبار انه لم يكن بمقدور المحاميين الترافع، بالمحاكم الفدرالية الأمريكية عن أي من المعتقلين، حتى حصولهم على توكيل من المعتقل نفسه أو احد أفراد أسرته، كما لم يكن قد سمح بعد لأي أحد بزيارة معتقل Guantanamo حتى ذلك الوقت، مما ضاعف أهمية وضرورة الحصول على هذا التوكيلات من أفراد الأسرة، وذلك للشروع في الأمور القضائية بالمحاكم الأمريكية.
بداية مشوار عملنا كان في اليمن على اعتبار أن المعتقلين اليمنيين يشكلون اكبر الكتل الموجودة في معتقل Guantanamo، ومن ثم واصلنا في البحرين وهي المنطقة التي بقت مركزا ننطلق منه لكل المنطقة العربية.
كان دورنا أيضا العمل على التنسيق بين المحامين الأمريكيين، المدافعين عن المعتقلين من بلدا ما، مع اسر هؤلاء المعتقلين ومؤسسات المجتمع المدني، ومنظمات وحقوق الإنسان في ذلك البلد، وذلك للتنسيق والعمل المباشر.
ومن الصعوبات والمعوقات التي واجهتنا في الوصول إلى اسر المعتقلين في العالم العربي، حيث إننا كنا نبحث عن أسر لمعتقلين لا نعرف عن أسمائهم أو عناوينهم أي شيء ، وذلك بسبب رفض الإدارة الأمريكية آنذاك البوح بأسمائهم أو عناوينهم أو دولهم، أو أي شيء كان يمكن أن يرشدنا إليهم. ومما جعل الأمر أكثر صعوبة هو أن الكثير من أهالي المعتقلين لم تكن ترغب بالبوح بأن لها أقارب في معتقل Guantanamo، خوفا من بطش واستهداف السلطات الأمنية في بلدانهم. وكانت بعض الآسر تشعر بالخوف أو العار وذلك نتيجة للجو السلبي المشحون ضدهم أناداك، وبعد أحداث سبتمبر في الصحافة والإعلام العربي والدولي، خصوصا أن عملنا جاء متزامنا مع حملة الولايات المتحدة الأمريكية، وحلفائها في الخليج العربي بما يسمى الحرب على الإرهاب، وخوف تلك الأسر من الاستهداف في هذه الحملة.
ومن المعوقات أيضا هي عدم ثقة غالبية أهالي المعتقلين العرب بنزاهة النظام القضائي والإداري الأمريكي خصوصا عندما يتعلق الأمر بقضايا تتعلق بالمسلمين.
دور المحامين وأهميتهم
كوننا قد قمنا بدور المنسق بين مؤسسات المحاماة بالولايات المتحدة الأمريكية، وبين أهالي المعتقلين في العالم العربي، أرى انه من المهم الإشارة إلى الدور المميز والفعال الذي قام به المحامون في الولايات المتحدة الأمريكية، والمؤسسات المعروفة التابعة لهم ، وكذلك ما قام به مركز الحقوق الدستورية ، من تسليط الضوء على الانتهاكات الواسعة ضد المعتقلين، وكذلك إبراز هذه القضية كقضية رأي عام في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي جميع أنحاء العالم.
ولكون جميع هذه الملفات شكلت قضائيا ورفعت بالولايات المتحدة الأمريكية، كان لذلك الدور الفعال والضاغط في فضح الإدارة الأمريكية، على تلك الانتهاكات، بل إحراج الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني في العالم العربي لتقاعسهم فترة طويلة قبل التحرك الفعال لصالح المعتقلين.
ومن المهم أيضا الإشارة بان المحاميين كانوا وسيلتنا الوحيدة، في معرفة ماذا كان يحصل في داخل المعتقل من انتهاكات، وانعكاسها لاحقا في في تقارير منظمات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام العالمية. وكان المحامون أيضا وسيلة نستخدمها ويستخدمها المعتقلين وأهاليهم لتبادل الرسائل الشفهية، على اعتبار أن غالبية الرسائل المرسلة من والى المعتقلين، كانت تقتطع منها الكثير من الأجزاء، من قبل الأجهزة الأمنية الأمريكية مما يفقد هذه الرسائل معناها.
كان نصيب المعتقلين البحرينيين عشرة من المحاميين الاميركيين المتطوعين، وذلك من مجموع ما يقارب الخمسمائة محامي، عملوا على هذا الملف في الولايات المتحدة بشكل أو بأخر. وفي الفترة من أكتوبر 2004 وحتى يونيو 2007 قام هؤلاء المحامين باثني عشرة زيارة لهم بجزيرة Guantanamo، وثلاث زيارات أخرى للبحرين. وعادة ما تهدف زيارت المحامين للمنطقة لإبقاء القضية حية إعلاميا وشعبيا، وذلك من خلال اللقاءات مع الصحافة ومؤسسات المجتمع المدني والبرلمان والمسئولين في الحكومة البحرينية، وكذلك اسر المعتقلين لاطلاعهم بأخر التطورات.
وفي الوقت الذي كان البعض من المحاميين العاملين على هذا الملف يتعرضون إلى الضغوط الداخلية في بلدهم، وربما التهديدات والتحرشات في أحيان أخرى، بسبب دفاعهم عمن كانت تتهمهم دولتهم الولايات المتحدة بالإرهاب، كانوا يواجهون من جهة أخرى الصعوبات الكبيرة في التعامل مع المعتقلين أنفسهم، وذلك لشكوك عدد كبير من المعتقلين بأن الدور الذي يقوم به المحامون، هو دور مخابراتي لصالح السلطات الاميركية، يراد به استدراج المعتقلين باعترافات مخالفة للواقع، ولتتم بها إدانتهم فيما بعد، بل كان الكثير من هؤلاء المحامين يتعرضن للطرد أو المقاطعة من قبل موكليهم من المعتقلين.
كيف تعاملت الحكومات الخليجية مع المحاميين ومؤسساتهم بالولايات المتحدة
تختلف طبيعة العلاقة التي نشأت بين مؤسسات المحاماة الأمريكية وكل واحدة من حكومات دول الخليج العربية. فالكويت تعد الدولة العربية الأولى في التحرك قضائيا على مواطنيها المعتقلين، وذلك من خلال رفع قضية بالمحكمة الفدرالية في شهر مايو 2002 وتوكيل مؤسسة محاماة معروفة بالولايات المتحدة ودفع مبالغ طائلة لها. بل تعد الكويت حالة نادرة على اعتبار إنها الدولة العربية الوحيدة التي قامت بصرف مبالغ طائلة لإرجاع مواطنيها من معتقل Guantanamo.
أما البحرين ففضلت الحوار الدبلوماسي مع الأخ الأكبر المتمثل في الادارة الامريكية، بدلا من المسعى القضائي المعقد والطويل، وعليه فقد تجاهلت حكومة البحرين لفترة طويلة عمل المحامين الاميركيين المتطوعين للدفاع عن المعتقليين البحرينيين، لولا إجبارها على ذلك من خلال ضغط مؤسسات المجتمع المدني، والصحافة واسر المعتقلين والمؤسسة البرلمانية. الا ان العلاقة ظلت شكلية فقط غايتها إرضاء الرأي العام أكثر منه تنسيق وعمل مشترك.
وبالنسبة للمملكة العربية السعودية ففضلت المباحثات الأمنية والدبلوماسية المباشرة بين الدولتين على المسعى القضائي، فقد تجاهلت السعودية موضوع المحاكم والمحامين تجاهلا تاما، ورفضت أن تستقبل أي من المحامين في السعودية، بل رفضت حتى إعطائهم تأشيرة دخول للمملكة العربية السعودية، للقاء أهالي المعتقلين والتباحث معهم، مما تتطلب أن يقوم مركز البحرين لحقوق الإنسان بترتيب وتنظيم العشرات من اللقاءات الفردية أو الجماعية، بين أهالي المعتقلين السعوديين، والمحاميين الأمريكان في البحرين، على اعتبار إن البحرين تعد اقرب دولة يمكن السفر إليها من السعودية.
كيف تعاملت الحكومات الخليجية مع العائدين من Guantanamo
اختلفت طبيعة وطريقة تعامل الحكومات الخليجية مع المعتقلين العائدين من معتقل Guantanamo. فقد قامت البحرين الذي عاد لها جميع معتقليها بالتحقيق معهم لحظة وصولهم ولمدة بضع ساعات، ومن ثم إخلاء سبيلهم بضمان محل إقامتهم.
أما دولة الكويت التي عاد إليها ثمانية من معتقليها ألاثني عشر في فترات متفاوتة، فتم احتجازهم لمدد تتراوح بين ثلاثة إلى ستة شهور، ومن ثم تقديمهم إلى المحاكمة التي حصلوا على البراءة منها بجميع مراحلها. ومن ثم قامت الحكومة الكويتية باحتساب راتب شهري لكل مفرج عنه منذ لحظه وصوله إلى الكويت.
أما المملكة العربية السعودية التي عاد اغلب معتقليها، فقد قامت بوضعهم في سجن لمدة شهر إلى شهرين، ومن ثم إدماجهم في برنامج إعادة تأهيل، لمدة ستة شهور في منتجع شبيه بالمنتجعات السياحية، من برك للسباحة وملاعب مختلفة وكامل المعدات الرياضية والترفيهية. ويتم الإفراج عنهم لاحقا بعد إهداء كل واحدا منهم سيارة، وراتب شهري على مدى الحياة، ومبلغ للزواج وبدل سكن شهري.
أحوالهم بعد الوصول
اندمج كل العائدين من معتقل Guantanamo تقريبا، مرة أخرى في مجتمعاتهم الخليجية، بل حاول الجميع من حولهم مساعدتهم على ذلك. ونتيجة للظروف التي مروا بها من تعذيب وسوء المعاملة ، واصل البعض منهم في النفور من كل ما هو أمريكي ، بل التشكيك في الكثير مما حصل لهم وحتى في المحامين المدافعين عنهم، و مؤسسات حقوق الإنسان، والصليب الأحمر الدولي الذي زارهم، بل يعتقدون أن جميعهم كانوا يخدمون الأجندة الأمريكية.
لقد زارت المنطقة مؤخرا أكثر من مؤسسة بحثية أو صحفية أمريكية أو غربية، محاولة اللقاء بالمعتقلين المفرج بهم، لكن ردة فعل غالبية المفرج عنهم كانت رفض اللقاءات بهم، بسبب شكوك المفرج عنهم حول نواياهم أو أجندتهم الخفية، أما البعض الأخر فلم يود أن يلتقي معهم محاولا نسيان الماضي الأليم، بل أصبح مقاطعا لأي شيء يذكره بذلك الماضي المرير.
النتائج الايجابية
بالرغم من صعوبة الظروف في التعامل مع الانتهاكات والفظائع التي جرت في معتقل Guantanamo، فان هناك بعض الجوانب الايجابية التي يمكن استخلاصها.
فبسبب الجهود التي قام بها الجميع وعلى رأسهم المؤسسات الدولية غير الحكومية لحقوق الإنسان، ومؤسسات المجتمع المدني، في كل دول العالم، تم تغيير النظرة السلبية السائدة للمعتقلين في Guantanamo، من إرهاب وإرهابيين، وقتلة في أيدي العدالة الأمريكية آنذاك ، إلى النظرة السائدة ألان على إنهم ضحايا اعتقال تعسفي غير شرعي، قابعين في سجون لا تتوفر فيها أية من المعايير الإنسانية.
الخلاصة الايجابية الأخرى هي مساهمة التحرك على هذا الملف – في البحرين على سبيل المثال - في تعزيز التسامح المذهبي بين السنة والشيعة، أولا وعلى اعتبار أن غالبية من كان يعمل معنا بمركز البحرين لحقوق الإنسان، في الدفاع عن المعتقلين في Guantanamo ، هم من أبناء الطائفة الشيعية، في حين أن جميع ضحايا هذا المعتقل هم من أبناء الطائفة السنية . ساعد هذا في تعزيز موضوع التسامح والتقارب المذهبي، في فترة كان فيه الاحتقان والتنافر الطائفي بالخليج العربي في اشد أوقاته، وذلك بسبب تداعيات أحداث العراق.
وينطبق ذلك أيضا على تعزيز التسامح الديني بين المسلمين وغيرهم من الديانات الاخرى. فالمحامين المدافعين تطوعا بالولايات المتحدة، هم من الأمريكيين من الديانة المسيحية واليهودية، وقد ترك ذلك مردودا ايجابيا على المجتمعات المسلمة المحافظة بدول الخليج العربي، وتغير في النظرة السلبية السائدة تجاه هذه الديانات، وتجاه الشعب الأمريكي الذي قدم مجتمعه المدني مثلا يشهد له، من خلال التحرك الحثيث على هذه القضية باحترامه لإنسانية الآخرين بعيدا عن سياسة حكومته.
والنقطة الأخيرة التي من المهم الإشارة إليها هي معالجة العلاقة السلبية بين حركة حقوق الإنسان في العالم العربي والتيارات الإسلامية، بل كسبت حركة حقوق الإنسان بالخليج العربي احترام الجماعات الإسلامية السياسية، بعد حالة من التنافر أو القطيعة.
وتبقى هذه التجربة المثمرة واحدة من أهم تجارب التعاون، بين الناشطين ومؤسسات المجتمع المدني، مخترقة الحواجز الجغرافية والطائفية والدينية، وهي تعزز الثقة في عمل منظمات حقوق الإنسان، التي أخذت الدور الرائد، وتبعث الامل في مستقبل افضل.




