الوسط:معركة «عدالة الدوائر الانتخابية» تدور رحاها بين مواطن وحكومته

العدد 1998 الاثنين 25 فبراير 2008 الموافق 18 صفر 1429 هــ

--------------------------------------------------------------------------------
معركة «عدالة الدوائر الانتخابية» تدور رحاها بين مواطن وحكومته!// البحرين
الوسط - حيدر محمد
لم يجد مواطن من سكنة الدائرة الأولى في المحافظة الشمالية سوى ساحات القضاء ليقارع الحكومة في معركة «عدالة توزيع الدوائر الانتخابية» التي يرى أنها تتنافى مع حقه الدستوري في تساوي الصوت الانتخابي في محافظات المملكة. وقد أغفل التقرير الوطني لحقوق الإنسان الذي سيناقش في جنيف في السابع من أبريل/ نيسان المقبل تحفظات القوى السياسية والاجتماعية على مرسوم توزيع الدوائر الانتخابية، على رغم أنّ المسألة مثارة برلمانياً وشعبياً وقضائياً، وعلى رغم تأكيد وزير العدل والشئون الإسلامية الشيخ خالد بن علي آل خليفة تحت قبة البرلمان أن النظام الانتخابي المعمول به في مملكة البحرين، قانوني ودستوري، وأنّ تغيير الدوائر الانتخابية لا بدّ وأن يأتي بعد استقرار العمل فيها، وعادة ما يكون التغيير بعد 10 إلى 15 سنة... إلا أن عدالة التوزيع التي يراها وزير العدل لا يَراها كثيرٌ من النواب والنشطاء ومؤسسات المجتمع المدني التي ترى أن التوزيع الحالي يخلُّ بمعايير التوزيع المعتمدة في المؤسسات الدولية المتخصصة في الانتخابات. وتنتظر المحكمة الإدارية فتوى من دائرة الشئون القانونية التي ستفتح معركة قانونية حامية الوطيس... وسيقول القضاء كلمته ولكن ليس الآن على ما يبدو!

--------------------------------------------------------------------------------

نواب: التقسيم يخل بمعايير الثقل الانتخابي و يعتمد الفصل المذهبي بدلاً من التجانس الاجتماعي
توزيع الدوائر الانتخابية في البحرين... فني أم طائفي؟!

الوسط- حيدر محمد

« النظام الانتخابي المعمول به في مملكة البحرين، قانوني ودستوري، وتغيير الدوائر الانتخابية لابدّ وأن يأتي بعد استقرار العمل فيها، وعادة ما يكون التغيير بعد 10 إلى 15 سنة»... هذا ما قاله وزير العدل والشئون الإسلامية الشيخ خالد بن علي آل خليفة تحت قبة البرلمان رداً على سؤال برلماني للنائب السيد مكي الوداعي.

ولكن عدالة التوزيع التي يراها وزير العدل لا يَراها كثيرٌ من النواب والنشطاء ومؤسسات المجتمع المدني، وليس أدل على ذلك من تصدّر المطالبة بتوزيع عادل للدوائر على رأس أهداف غالبية المرشحين للانتخابات البرلمانية في العامين 2002 و2006، فضلاً عن شمول عدد كبير من التقارير الحقوقية نقداً للبحرين التي يرون أنها أخلت- في التوزيع الحالي- بمعايير التوزيع المعتمدة في المؤسسات الدولية المتخصصة في الإشراف على الانتخابات.

وأغفل التقرير الوطني لحقوق الإنسان الذي سيناقش في جنيف في السابع من أبريل/ نيسان المقبل تحفظات القوى السياسية والاجتماعية على مرسوم توزيع الدوائر الانتخابية، رغم أنّ المسألة مثارة برلمانياً وشعبياً وقضائياً.

تشريع النظام الانتخابي بمرسوم أو بقانون؟

ويرى عضو كتلة الوفاق النائب جلال فيروز « إنّ توزيع الدوائر الانتخابية في مملكة البحرين استند إلى تشريعات خاصة تهدف إلى ميل دفة نتائج الانتخابات لصالح الجهة المشرّعة وهي الحكومة في ظل استفرادها بالتشريع قبل بدء انعقاد المجلس التشريعي. ومن أجل أنْ تواصل سيطرتها على هذا الأمر، فقد ألغت السلطة في صياغتها لدستور 2002 النص الوارد في المادة (43 ب) من دستور 1973 الذي يعطي الصلاحية التامّة في تحديد الدوائر الانتخابية للمجلس المنتخب عبر إصدار قانون خاص بذلك، فنزعت هذه الصلاحية من المجلس وأعطتها لمصدر المرسوم الملكي. وبناءً على ذلك، فقد جرى تخطيط الدوائر الانتخابية للانتخابات التشريعية وفقاً للمرسوم رقم (29) لسنة 2002 والصادر بتاريخ 12 أغسطس/آب 2002 بشأن تحديد المناطق والدوائر الانتخابية وحدودها واللجان الفرعية للانتخابات العامّة لمجلس النواب».

ويوضح فيروز أنّ صدور قانون توزيع الدوائر عن طريق مرسوم يأتي متناقضاً مع الأعراف الدولية في هذا المجال، وبحسب المعهد الدولي للديمقراطية والدعم الانتخابي IDEA فإنه «ينبغي أنْ تشرع القوانين الانتخابية بواسطة المجالس التشريعية المنتخبة والممثلة شعبياً، ولا يجوز أنْ تشرّع عن طريق المراسيم الصادرة عن السلطات الحاكمة» ولكن...هل تنطبق المعايير الدولية على التوزيع الحالي للدوائر...؟

تكافؤ الفرص والثقل الانتخابي

الكثافة السكّانية للدوائر الانتخابية تتفاوت إلى حد بعيد في نقض صارخ للمادة (4) من دستور البحرين الناصة على أنّ «العدل أساس الحكم..والمساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين دعامات للمجتمع تكفلها الدولة»، والمادة (18) الناصة على أنّ «الناس سواسية في الكرامة الإنسانية، ويتساوى المواطنون لدى القانون في الحقوق والواجبات، ولا تمييز بينهم في ذلك».

ويضيف فيروز:» لقد تم نقض مبدأ المساواة في قيمة الصوت الانتخابي وتكافؤ الفرص في التمثيل الانتخابي للمواطن فيما بين العديد من الدوائر الانتخابية، وهناك تفاوت فاحش في التمثيل الانتخابي نسبة لتعداد الأنفس في الدائرة الواحدة. فعلى سبيل المثال صوت ناخب واحد في الدائرة السادسة للمحافظة الجنوبية يُعادل أصوات حوالي 33 ناخباً في الدائرة الأولى للمحافظة الشمالية ؛(أي بفارق قدره حوالي 3334 في المئة بين الدائرتين) وأصوات حوالي 21 ناخباً في الدائرة الرابعة لمحافظ المحرق؛ (أي بفارق حوالي 2011 في المئة).( اللجنة الأهلية للرقابة على الانتخابات النيابية، 2002)

حسب التقسيم المصلحي

جرى رسم الدوائر الانتخابية من قبل السلطة التنفيذية، وقد كان واضحاً السعي للي عنق هذه الدوائر ورسمها بطريقة غير هندسية من أجل إضعاف فرص قوى المعارضة في الحصول على مقاعد انتخابية عادلة، وبالتالي تم لتركيز مناصري المعارضة وجمعهم في داخل دوائر انتخابية محددة فأصبحت ذات كثافة سكّانية عالية، بينما أعطت لنفسها الفرصة الأكبر للاستحواذ على المقاعد بتكريس المناطق التي يغلب عليها مناصرو الحكومة وعبر تقسيمات جغرافية لكي تضمن حصول على مرشحيها على مقاعد أكثر. فلم يتم مراعاة مبدأ المساواة في القوّة التمثيلية حتى بين الدوائر الواقعة ضمن حدود المحافظة الواحدة.

وفي المحافظة الشمالية صوت الناخب في الدائرة الرابعة يفوق قيمة أصوات خمسة ناخبين في الدائرة الأولى؛ (أي بفارق 400 في المئة بين الدائرتين)، بل إنّ مجموع كلّ الناخبين في المحافظة الجنوبية لا يرتقي إلى عدد ناخبي دائرة واحدة هي الدائرة الأولى في المحافظة الشمالية!

حسب معيار الحيادية وعدم التمييز

لم يتم اعتماد الشفافية في حساب أعداد الناخبين في كلّ دائرة انتخابية، وقد اعتبر العديد من القوى السياسية من مشاركين أو مقاطعين للانتخابات النيابية هذا الخلط لغرض التلاعب في الحصص التمثيلية للدوائر وتغليب الأصوات القريبة من الحكومة.

وعلى رغم أنّ الدائرة السادسة في المحافظة الجنوبية يقطنها 398 فرداً (بحسب رسالة وزير شئون مجلس الوزراء في ردّه على استجواب مجلس النواب في أبريل/نيسان 2004)، فقد احتسب عدد الناخبين فيها بـ541 فرداً؛ أي بزيادة 452 في المئة عن عدد القاطنين. وبحسب إحصاء 2001، كان عدد القاطنين في ثلاث دوائر في المحافظة الجنوبية (الرابعة والخامسة والسادسة) 1441 فرداً (فيكون عدد الناخبين منهم أقل بكثير).

الفصل الطائفي بدلاً من التجانس الاجتماعي

ويرى فيروز أنه « خلافاً لما نصّ عليه الدستور وميثاق العمل الوطني من المساواة بين المواطنين، ومن ضرورة تعزيز ودعم اللحمة الوطنية، وكون الكفاءة هي المعيار الرئيسي في العمل الوطني، اعتمد نظام التوزيع لكثير من الدوائر الانتخابية بتقسيم اعتبر أنه يمثل فصلاً طائفياً بين أبناء الوطن الواحد المنتمين للطائفتين الكريمتين في البلاد. فهناك فصل بين قرية الزلاق التي تقطنها أغلبية تنتمي لطائفة معيّنة وبين قرية دار كليب التي تعتبر متداخلة مع الزلاق ولكن يغلب فيها الانتماء للطائفة الأخرى.

معيارا الترابط والاندماج

في تناقض مع معيار الترابط والتآخم جرى الفصل بين قرية البديع وبين سائر القرى اللصيقة بها، بينما تم الجمع بين قريتي البديع والجسرة اللتين تبعدان عن بعضهما حوالي 7 كيلومترات لوحدة طائفتيهما، وتم القفز على قرية الجنبية الواقعة بينهما لانتمائها للطائفة الأخرى، بينما تم الفصل بين الجسرة والهملة الملاصقة لها لاختلاف طائفتيهما.

ويسحب ذلك على الفصل بين قرية قلالي وبين كلّ من الدير وسماهيج، وإلحاق قلالي بالمحرّق التي تبعد عنها مسافة كبيرة وتفصل بينهما منطقة جغرافية كبيرة هي منطقة مطار البحرين الدولي حسبما هو واضح من الصورة التالية. وهذا الأمر إضافة إلى كونه خرقاً لمبدأ الاندماج والضغط يعد تكريساً للفصل والفرز الطائفي بدلاً عن الدمج والتآلف.

المحافظة الغربية... قد تكون حلاً!

يتبين مدى تباين طريقة رسم الدوائر الانتخابية مع المبادئ والمعايير الدولية، بالإضافة إلى نقضها الواضح لبنود الدستور وميثاق العمل الوطني.

وكخطوة أولية في سبيل حل الإشكاليات الكبيرة في هذا فيرى فيروز أنه « يمكن اعتماد إعادة رسم حدود المحافظات بعيداً عن العوامل الطائفية، بأنْ يتم إنشاء محافظة سادسة تضم المنطقة الغربية (مدينة حمد بالإضافة إلى عالي وبوري والمجمّعات الواقعة فيما بين هذه المناطق لتسمّى «المحافظة الغربية»، يمكن بذلك وبعدد من التغييرات البسيطة في خارطة المحافظات الأخرى (كضم الرفاعين وإلحاقهما للمحافظة الجنوبية) من الحصول على معدّل حوالي 70 إلى 75 ألف مواطن في كلّ محافظة (ويمثل ذلك كتلة انتخابية معدلها حوالي 40 إلى 45 ألف ناخب لكلّ محافظة).

ولم يغب مشروع « المحافظة الغربية» عن برلمان 2002، إذ اقترح النائب البرلماني السابق جاسم عبدالعال إنشاء المحافظة السادسة للمناطق الغربية، الأمر الذي يسهم إلى ترشيد موازنة المشروعات والخدمات ويوفر فرص العمل في كلّ المحافظات، ويضمن توزيعاَ عادلا بالنسبة والتناسب لعدد السكّان في كلّ محافظة للمساواة النسبية بين الدوائر الداخلة في حدود المحافظات.

معركة «عدالة الدوائر» بين مواطن والحكومة في ساحات القضاء!

تقدّم المحامي عبد الله الشملاوي وكيلاً عن أحد المواطنين الناخبين في المحافظة الشمالية برفع دعوى قضائية (إدارية) يطعنُ فيها في رسم الدوائر الانتخابية، مطالباً أصلياً بالحكم بإلغاء المرسوم رقم 29 لسنة 2002 م بشأن تحديد المناطق والدوائر الانتخابية وحدودها واللجان الفرعية للانتخابات العامّة لمجلس النواب كاملاً، لارتباط أحكامه ارتباطاً غير قابل للتجزئة. واحتياطياً الحكم بإلغاء المادة الثانية من المرسوم رقم 29 لسنة 2002 م بشأن تحديد المناطق والدوائر الانتخابية وحدودها واللجان الفرعية للانتخابات العامّة لمجلس النواب.

واعتبر الشملاوي في دعواه المرسوم (محل الطعن) قد صدر «مشوباً بعيب في محله، ذلك أنّ ترسيم الدوائر الانتخابية الذي مارسته السلطة التنفيذية من خلال المرسوم قد جاء بمعايير غير منضبطة وبصورة غير مدروسة، الأمر الذي يجعل من المرسوم مخالفاً للمبادئ العامّة للقانون، والتي تعد أحد مصادر مشروعية القرار، والتي يُعتبر القرار الإداري بمخالفتها معيباً في المحل».

وأوضح أنّ «العوار الذي يحلق محل القرار موضوع الدعوى واضح بصورة لا لَبْس فيها، إذ أنّ السلطة التنفيذية قد مارست سلطتها في رسم الدوائر الانتخابية من دون الاستناد إلى معايير موضوعية أو عددية منضبطة في تحقيق الغاية من ممارسة حق الانتخاب، وإنما إلى معايير غير فعالة في تحقيق الغاية من ممارسة المواطنين لحقوقهم السياسية، بحيث نتج عن هذا الترسيم والتقسيم للدوائر والمناطق الانتخابية تفاوت عددي واضح في إجمالي الكتلة الانتخابية لكلّ منطقة انتخابية. وتنتظر المحكمة الإدارية رد الدولة ممثلة في دائرة الشئون القانونية على دعوى المواطن!

الوصلة:
http://www.alwasatnews.com/newspager_pages/print_art.aspx?news_id=113015&news_type=LOC

صحيفة الوسط 2008 - تصدر عن شركة دار الوسط للنشر و التوزيع - جميع الحقوق محفوظة

لَقِّم المحتوى