ورقة مقدمة من مركز البحرين لحقوق الإنسان إلى المؤتمر الدستوري
تحتوي هذه الورقة على مبادئ ومعايير رئيسية لابد أن تتوافر في أي دستور ليكون النظام الذي ينبثق عنه ديمقراطيا وضامنا لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية. وتحتوي الورقة على اشارات لمظاهر تضارب دستور البحرين مع تلك المبادئ والمعايير.
وهذه المبادئ تشكل نظاما متكاملا، ولا يمكن التنازل عنها أو فصلها عن بعضها. واذا اقتضت الظروف التنازل عن إحدى هذه المعايير أو التهاون فيها، فلابد ان يكون ذلك لمرحلة انتقالية مؤقتة بزمن، أو بشرط توفر آلية يتمكن فيها الشعب من تعديل النصوص والأنظمة وإصلاح الخلل في مرحلة لاحقة.
1. القبول الشعبي للدستور والقوانين
2. الحق والمساواة في الاقتراع العام
3. دولة القانون والمشروعية
4. مبدأ فصل السلطات والرقابة المتبادلة واستقلالية القضاء
5. مبدأ ضمان الحريات العامة وحقوق الانسان
6. الحماية من تجاوزات الإدارة
7. حق تقلد الوظائف العامة
8. حق اختيار الحكومة وتغييرها
9. التعددية وتداول السلطة ودور الأحزاب السياسية
10. الموازنة بين الحقوق الفردية والجماعية
1. القبول الشعبي للدستور والقوانين:
ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في (المادة 21) على ان " إرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم". ولذلك فأن القانون –المتمثل في الدستور أو التشريعات الأدنى منه- يجب ان تعبر عن الإرادة العامة، ويلزم ان تكون صادرة عن الشعب أو من يمثله. والدستور ضرورة لحكم القانون وضمانة لحماية حقوق الشعب وحرياته. ولذا فلابد للدستور من ان يكون مقبولا من قبل الشعب بصورة واضحة وقاطعة تحقق الاستقرار على المدى البعيد. ولذلك لابد من آلية واضحة لتحقيق القبول الشعبي للدستور. فإما يكون ذلك عبر نواب الشعب المنتخبين لمجلس دستوري، واما ان يكون عبر استفتاء شعبي يحقق اوسع قبول ممكن. اما تشكيل اللجان المعينة، أو التفاوض بين الحكومة والمعارضة أوغير ذلك من الوسائل فهو وسيلة لتحقيق القبول الشعبي الواسع وليس بديلا عنه.
2. الحق والمساواة في الاقتراع العام:
حسب المادة نفسها من الاعلان العالمي، فان ارادة الشعب يجب ان تتجلى "من خلال انتخابات نزيهة تجري دوريا بالاقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السري أو باجراء مكافى من حيث حرية التصويت" وذلك ليختار الشعب ممثليه. ولضمان تطبيق الحق المتساوي يجب ان يكون للمواطنين وزن متكافئ في تقسيم الدوائر الانتخابية.
3. دولة القانون والمشروعية:
دولة القانون هي التي يخضع فيها الحكام والمحكومون على السواء للقانون. وسيادة القانون في المملكة الدستورية تشمل اطراف الدولة المتمثلة في المؤسسة الملكية والسلطات الثلاث التشريعية وتنفيذية وقضائية. كما تشمل المؤسسات غير الحكومية والأفراد دون تمييز بينهم.
القانون –المتمثل في الدستور او التشريعات الادنى منه- اداة للتعبير عن الارادة العامة، ويلزم ان يكون صادرا عن الشعب أو من يمثله، حيث لا يمكن لهؤلاء ان يضعوا قوانين تقمع الحريات او تنتهك الحقوق. وتعني المشروعية ان تخضع كل قاعدة قانونية لقواعد قانونية تعلوها رتبة. اذا لم تتقيد السلطة بذلك تكون اعمالها معيبة بعدم الشرعية، وعرضة للابطال. الى جانب التقيد بالقواعد القانونية، يحتم مبدأ المشروعية ان تنشد الادارة المصلحة العامة والنفع العام.
4. مبدأ فصل السلطات والرقابة المتبادلة واستقلالية القضاء:
ويقصد بالفصل عدم تجمع السلطات الاساسية في الدولة بيد شخص واحد أو هيئة واحدة، وذلك منعا للاستبداد بها. ويقتضي ذلك في المملكة الدستورية ان يتمثل دور الملك في الإشراف وتسهيل عملية التعاون بين السلطات الثلاث - التشريعية والتنفيذية والقضائية - وليس التدخل في اعمالها أو قراراتها.
الفصل الفعلي للسلطات الثلاث يتحقق بأن تمتلك كل واحدة من هذه السلطات قرارها واستقلاليتها، وتكون صالحة وكفوءة وتحضى بالقبول الشعبي. وان تتعهد احترام وتعزيز الحقوق والحريات الاساسية وحمايتها، عبر تشريعات وآليات فاعلة. وتقوم كل سلطة بمراقبة السلطات الأخرى والحفاظ على مبدأ التوازن بعدم سيطرة احداهما على الاخرى. فلا يحد من اساءة استخدام اية سلطة الا وجود سلطة قوية موازية لها، وهكذا يتم ضمان الحريات والحقوق.
ان تدخل الملك أو السلطة التنفيذية في التشريع عبر تعيين اعضاء برلمان معينيين أو اخضاع قرارات البرلمان لموافقة الملك، ينال من مبدأ سلطة الشعب، ويودي بمبدأ الفصل بين السلطات.
القضاء هو ميزان العدالة، وبالتالي فلابد من استقلاليته وجعل قراره حرا ليكون ضامنا لتحقيق العدالة وضامنا للحريات والحقوق. وقد وضعت الامم المتحدة شرعة مبادئ لضمان استقلال القضاء اقرتها الجمعية العمومية عام 1985، وطلبت من الدول الاعضاء وضعها ضمن تشريعاتها المحلية. وفي حال اعتماد تعيين مجلس اعلى للقضاء فلابد من ان يتضمن الدستور ما يضمن استقلالية هذا المجلس عن اية سلطة اخرى.
ومثلما تقوم الهيئة التشريعية باصدار القوانين ومراقبة تطبيقها، كذلك لابد ان تكون هناك رقابة على دستورية القوانين وعدم انتهاكها للحقوق والحريات العامة، وذلك بوجود هيئة مستقلة تتمتع بالحصانة والكفاءة والنزاهة، تتكون عادة من قضاة كبار ورجال قانون مشهود لهم. ولخطورة دور هذه الهيئة فلا يجوز ترك مهمة تعيين واعفاء اعضاء هذه الهيئة بشكل مفتوح بيد شخص الحاكم أو السلطة التنفيذية. ويمكن ان تشترك السلطات الثلاث في تعيين هذه الهيئة كما في بلدان مثل فرنسا ولبنان.
5. مبدأ ضمان الحريات العامة وحقوق الانسان:
ان حقوق الانسان وحرياته حق طبيعي متأصل لا يمكن التنازل عنها أو النيل منها. وان الافراد لا يستطيعون التعبير عن ارادتهم - التي هي مناط سلطة الحكم- الا اذا توافرت لهم الحريات الاساسية، من حرية شخصية وسياسية وحرية الرأي التعبير وحرية الصحافة وحق الاجتماع والتظاهر. في المقابل فان ممارسة الافراد لهذه الحريات يمثل وسيلة ضغط مهمة بوجه السلطة لمواجهة الخروقات الاساسية لحقوق الناس وحرياتهم.
ويربط الاعلان العالمي التقييد القانوني للحقوق والحريات بشروط مشددة. فالمادة 29 / ب تنص على أنه : "لا يخضع أي فرد في ممارسة حقوقه وحرياته، الا للقيود التي يقررها القانون مستهدفا منها حصرا، ضمان الاعتراف الواجب بحقوق وحريات الآخرين واحترامها، والوفاء بالعادل من مقتضيات الفضيلة والنظام العام ورفاه الجميع في مجتمع ديمقراطي" ولاهمية القوانين المنظمة للحريات العامة فان فقهاء القانون الدستوري يؤكدون على إن تنظيم الحقوق والحريات العامة يجب ان يكون عن طريق قوانين يصدرها البرلمان المنتخب، ولا يكون عبر المراسيم اشتراعية.
6. الحماية من تجاوزات الإدارة:
القضاء المستقل هو ضمان الحماية حين تسئ الادارة استعمال سلطتها أوتتعسف بقراراتها او ممارساتها ضد الافراد. وللحد من تجاوزات الادارة ومزاجيتها لابد ان يكون هناك نظام قضائي فاعل يتعامل مع تلك التجاوزات سواء عبر نظام القضاء المدني أو الاداري.
كذلك فان السلطة التشريعية في البلدان الديمقراطية قد استحدثت لها آليات وهيئات متنوعة مهمتها مراقبة مدى احترام القضاة والموظفين للقوانين والانظمة. وقد عمدت العديد من الدول الغريبة الى انشاء لجان وطنية للمساواة أو لحقوق الانسان. وقد تبنت الامم المتحدة تقديم المساعدة للدول التي تود انشاء مثل هذه اللجان، واعدت دليل لمواصفات هذه اللجان وكيفية انشائها.
7. حق تقلد الوظائف العامة:
كما تنص المادة نفسها من الإعلان العالمي على ان "لكل شخص بالتساوي مع الآخرين، حق تقلد الوظائف العامة في بلده" وبالتالي فيجب ان يكون هناك فرص متكافئة لتولى المناصب الحكومية والوظائف العامة، ولا تكون حكرا على أية فئة. وان استيلاء فئة معينة على المناصب العليا عبر الامتيازات أو النفوذ، يسهل الفساد المالي والاداري وانتشار المحسوبية، وخصوصا اذا توزع نفوذ هذه الفئة في اجهزة الدولة المختلفة، وظلوا في مناصبهم لفترات طويلة. كما ان من الصعب مراقبة ومحاسبة من يتولى الوظائف العامة اذا كان يتمتع بحصانة بسبب انتماءه بصلة قرابة للملك أو الحاكم. وبذلك تكون الديمقراطية مجرد نصوص وهياكل ليس لها حولا ولا قوة في الدفاع عن حقوق الشعب وحرياته، بل تصبح الديمقراطية غطاءا للتجاوزات.
8. حق اختيار الحكومة التنفيذية وتغييرها:
ينص الاعلان العالمي في المادة نفسها على ان " لكل شخص حق المشاركة في ادارة الشئون العامة لبلده، اما مباشرة واما بواسطة ممثلين يختارون في حرية" وادارة الشئون العامة العامة - المبنية على مبدأ ان ارادة الشعب هي مناط سلطة الحكم-تتعلق بالسلطة التنفيذية (الحكومة) مثلما تتعلق بالسلطة التشريعية (البرلمان). فلا وجود للديمقراطية بدون حرية اختيار الحاكمين من قبل المحكومين. ويجب ان يكون الشعب قادرا على اختيار حكامه لفترات دورية محددة، فالشرط الجوهري لمنح السلطة هو ان لا تكون دائمة. ذلك لان السلطة التي تنبثق بواسطة الاقتراع العام لفترة دورية محددة، تسعى لتحوز على رضى الرأي العام، وتتجنب انتهاك الحقوق والحريات العامة.
9. التعددية وتداول السلطة ودورالأحزاب السياسية:
التعددية الحزبية ركن اساسي لتفعيل حق الافراد في المشاركة السياسية. ذلك ان وجود الاحزاب السياسية يساعد جمهور الناخبين على تكوين ارائهم السياسية، وتعبئة وتنظيم الفئات الشعبية، وبدون ذلك تصبح الاختيارات في عمليات التصويت عشوائية وغير منطقية يستفيد منها فئة قليلة من اصحاب النفوذ والتأثير. كما ان وجود الاحزاب يوضح صورة الصراع السياسي في المجتمع، ويجعله بناء، ويضع حدا للصراعات الضيقة المتنوعة والتي تؤدي للجمود والهدم. ويقوم الحزب بدور الوسيط في اختيار الشعب ممثليه الى الحكم، فهو يبرز المرشحين ويساهم في اختيارهم، ويصنع القيادات البديلة التي تحوز القبول الشعبي. والحزب وسيلة عملية لمشاركة المواطنين في تحديد السياسات العامة للبلاد. وهو ضرورة للتغيير السلمي للحكم. ان وجود المعارضة المنظمة الفاعلة المتعددة يحقق التوازن السياسي الذي يشكل ضمانة للحريات والحقوق. ولولا الاحزاب السياسية لاصبحت المعارضة مجرد اراء فردية، او رد فعل جماعي غير فاعل أو غير بناء. كذلك فان للاحزاب دور بارز في تطوير الديمقراطية وتوطيدها، وبالتالي ضمان الحريات والحقوق التي تنتج عنها.
10. الموازنة بين الحقوق الفردية والجماعية:
لا تقتصر الديمقراطية على حق الاكثرية وانما تضمن حقوق الافرد، ومنها حق الفرد في التماهي مع جماعة قومية او دينية معينة. فالديمقراطية تحمي التنوع وتعترف به. والديمقراطية لا تتعلق فقط بالاشكال القانونية للنظام وانما بالمعطيات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية. فالديمقرطية لا تزدهر وتعطي ثمارها في دولة ينتشر فيها الفقر والجهل. والديمقراطية تقتضي التوازن بين قدرة الدولة على التدخل من اجل تقليص التفاوت الاقتصادي وتأمين الخدمات، وبين الحريات الفردية وضمان تحكم كل شخص في شؤون حياته.




